_تمتد يدُ هانى إلى قلمٍ كان فى جيبِه ،ويبدأ فى الكتابة :-
"بسم الله الرحمن الرحيم ،هذه قصة (هانى) يشطب هانى الاسم بغيظٍ قطعَ الورقةَ، ثُم مزّقها و أخذ ورقةً جديدةً وكتب:-
(سعيد أحمد السيد ) ،أجل أنا (سعيد أحمد السيد) ذاك الاسمُ الذى لم أنطقه منذ ثلاثةٍ وعشرينَ عامًا ،ولدتُ فى المنطقةِ المحظورةِ خلف السور الحامى.
*السور الحامى:سورٌ بناهُ السادةُ أثرياء الدولة ليفضلَ بين عظمتِهم وبين حقارتنا نحن الفقراء المُقيمنَ على الجانب الأخر منه ،تكلّف بناؤه 5000 روح من جيرانى و أصدقائى الفقراء ،و3000 يّد تم بترها بسبب الالتهابات الناتجة عن سوءِ علاج الجروح الناتجة من وَقع سياط المُشرفينَ على أيّدى العمال التَعبِة ،و 10 سنواتٍ من الاستقياظ فى الخامسة صباحًا والنوم فى العاشرةِ مساءًا ،و بينهما نصف ساعة فقط من الراحة.
يشرف على ذاك السورِ الأن اللواء :كريم العثمانى ،كان قد حصلَ على هذا المنصب فى سبب تفانيِه فى الإشراف على بناء السور فى نظر السادة،وفى منظورنِا نحن بسبب عدم توانيه لحظةً فى تقديم أى قرابين منّا لجلالةِ السور والراغبينَ فيه،فكان له النصيبُ الأكبر من الضحايا السابق ذكرهم..
المُهم ،كل تلك التفاصيل سأذكرها مرةً أخرى كلٌ حسبَ ترتيبَه الزمنى،فالذكريات تتوارد على عقلى بشكلٍ بشع ،أشعر أنّى أرغب فى شق جُمجمتى وسَكب كل تلك المعلومات على الورق دفعةً واحدةً ،لا أعرف ماذا يجب أن يُقال أولًا أو ماذا يجب أن يُؤخر،كل مأعرّفه أنّى لا بدَ لى من البوحِ وحكاية تاريخ (سعيد أحمد السيد )الذى أصبح الأن (هانى) زوج أشكيناز ابنة اللواء كريم العثمانى....
_لماذا؟!
=هذا لمصلحته يا أم سعيد!!
_مصلحتُه فى البعد عن أمّه وأبيه؟!
=أبوه؛سيموتُ يومًا فى أعمال بناء السور،وأمُه ستضطر يومًا إلى قتلِه لكى لا تراه يذوق ما ذاقت هى وأبوه!!
يعلوَ الصمتُ لسانَها ،و تنطق الدموع صارخةً من عينِها ،فهى لم تملك المنطقَ لتحاور أبا سعيد ،بالإضافة أنّها تعلم أنّ قرارَه صائب ،ولكنّها أمٌ يريدونَ أن يسلبوا منها ابنها،فلم تجد إلا الدموعَ وسيلةً لتجادل بها أبا سعيد ،ولكنّ كثرة البؤس تُقسّى القلب ، والفقرُ يقتلُ الشفقةَ ،فلم يُلقِ لها بالًا والتفتَ إلى سعيد...
_ما رأيك؟!
=أنا لا أريد أنا أترككم يا أبى،سأعيش معكم!!
_وإذا مِتُ أنا وأمك؟!!
_سأعيش مثلما عِشتما!!
=كأنّى أسمع أمَك تتحدث ،لم تصبح رجلًا بعد؛لهذا ستنفذُ ما أقول!!
يُخرج من أسفلِ السرير المُتهالك قيمصًا وبنطالًا كان قد اشتراهما بعد ثلاثة أشهر من الإدخار وألبسهما ل(سعيد) وقال الأن أصبحتَ شبيهً بهم ،الأن لن يُميّزكَ الحرسَ إذ رأّوكَ،فقط أخبرهم أنّك كنت تلعب وأنّك عائدٌ إلى بيتك،قلها بثقة و بأنفٍ مرفوعٍ و رأسُك فى السماء و هم سيصدّقونَك لا شك....
_ولكن يا أبى ،ماذا سأفعلُ هناك ،كيف سأعيش وهُم لا يسمحونَ للقطط الضالةِ بالحياة فى شوراعهم ،فما بالك بفتى ضآلٍ؟!
=حتى لو قتلوكَ يا سعيد ،فأنّ تُدفنَ فى شوارعِهم أفضل من أن تُدفنَ فى مقابرنا،ولكن لا تقلق ،لازلنا نؤمن بالله الذى ينكرونَه هم ، لازال أمامنا اليقينُ بأنّه يحمينا و يراقبنا!
_كيف يراقبنا الله ويحمينا وجيراننا يُقتلونَ ،وتُقطّع أيديهم وهو لم ينتصر لهم!!
=سينتصر يا سعيد ،لا بد أنّه سينتصر ،لا بد!!
تمتدُ يدُ أبى سعيد وتجذب يدَ ابنِه ،ويدُه الاخرى تفتحُ باب ليطئمنَ أن الجيرانَ قد ناموا،ويبدأنِ فى السيرِ ناحية السورِ ،وبعد خروجِهما بعدة دقائق لحقتهما (أم سعيد)...



.png)

