انتهت حفلة عيد ميلاد ابنه الأول ،ثم جلسا_هو و زوجته_يفتحان الهدايا التى جائتهما من الجيران الساكنين فى ال(الفيّلات) المُجاورة ،وكانت الهدايا عبارة عن عدّة ساعات أصليّة بعضها له وبعضها لزوجته تكلفتها ما بين 7000 أو 12000 ريتشى_العُملة الجديدة للدولة_ ،وكان أغلى ما وجدا دعوة لقضاء الأسبوع القادم بُصحبة طفلهما فى جولة تشمل ثمانِ مُدن عالمية..
"الله يا حبيبى،سنجوبُ العالم أخيرًا"هكذا قالت زوجتُه (أشكيناز) ربّة المنزل المُخلصة و بنت اللواء كريم مدير أمنِ(السور الحامى)..
اكتفى هانى بالنظر إليّها ورسمَ ابتسامةً على وجهه كان يتضحُ فيها مقدار الجهد الذى بذله لرسمها ثُم قبّل طفله وانصرف هاربًا إلى غرفتِه يُحاول أن يقتل الدموع فى عينيّه قبل تولد..
مسرعًا يدخل الغرفة وعلى أقرب كرسى يجده أمامه يترك لجسده حرية الانهيار عليّه ،يسقط بداخل الكرسى المُريح المُبطن بأليافٍ مُعدةً خصيصًا لتتناسب مع إنحاءات العمود الفقرى مما يُعطى إحساسًا أكثر بالراحة ،يَفردُ يديّه على جانبى الكرسى فتظهر لّه من العدم _أو من أسفل الكرسى المُزّود أيضًا بأجهزه استشعار للحركة و عقل اصطناعى يجعله يُاقلم نفسَه و يُظهر مميزاتِه المتعددة تبعًا لحركةِ الجالسِ عليّه_وسادتان من نفسِ خامة الكرسى ليضع عليّهما يديّه...
ولكنّه لأول مرة لا يشعر بالراحةِ على هذه الكراسى ينفر منها فالنارُ تأكلُ جسدَه ،يَحك جلدَه كالمصاب بالجرب،جيوشُ الذكرياتِ هاجمته بشكل مُباغت ،كانت الذكريات تتدفق فى عروقِه ذاهبةً إلى عقلِه لتحتل تلافيفَ المُخ إلى الأبد ،فأخيرًا وجدت ثغرةً فى خطوط دفاعِه الجبّارة بعد ثلاثةِ وعشرين عامًا من الحبسِ فى منطقةٍ مهجورةٍ من مُخه لا يُذكرُ أنّه زراها منذ ثلاثةٍ وعشرين عامًا كاملة..
الطوفانُ يفرضُ قوانينَه ، الذكرياتُ تدفعُه لافتراش الأرض والهروبِ حتى من السجاد المصنوعِ خصيصًا لابنةِ اللواء كريم صاحبِ أخطر مهمة فى الدولة ،القائم على أمن وسلامة (السور الحامى) ،هكذا كانت المكتوبة على أطراف السجادة بخطٍ ذهبى اللون والخامة ،ففرضت الذكريات قوانينها للمرة الثانية ،بغير إرادةٍ منه يسحب السجادة ،يُحاول فلا يستطيع ،يحاول فلا يستطيع...
تعلو حشرجة البكاء الخارج منه ،فيرتمى على الأرض و يُسند ظهره إلى جدار الغرفة ،يبكى حينًا ثُم ينظر إلى يده الناعمة التى عجزت عن رفع سجادة من موضعها ؛فيزاد بكاؤه ،يُقول فى نفسه"ثلاثةٌ وعشرون عامًا حوّلت يدك الخشنة المليئة بالشقوق إلى تلك اليد الرخامية الناعمة ،ثلاثةٌ وعشرون عامًا بلا أى مجهود قادرةٌ على أن تسلب قوةَ من كان يرفع الصخور ذات الأوزان الضخمة بسهولة لا يقدر عليّها أحدٌ سواه..ثلاثةٌ وعشرون عامًا..."..
ينتفضُ واقفًا ،فى عينه تبدو نظرة التحدى التى برقت فى عينيّه منذ ثلاثةٌ وعشرون عامًا ثم لم تظهر بعدها إلا اليوم،يندفع إلى المكتب المُطرز بعددٍ من الاحجار النفيسة ليبحث عن ورقة و قلم ليكتب ما يريد،فلا يجد ،يفتح الأدراج فيجدها جميعًا خاويةً لا ورقة ولا قلمًا فى مكتبه،يلمح ورقةً تحت المكتب فينحنى ليأخذها فيجدها فاتورة مُشتريات زوجتِه استعدادًا لحفلةِ اليوم التى بلغت نصف مليون ريتشى ..
فيبتسمُ بمرارة "اليوم سأُلقى فى سلّات الزبالة نصف مليون ريتشى" قالها وطوفان الذكريات يضرب من جديد بشكل متقطعٍ هذه المرة ،كأن هذا الطوفان قد اكتسبَ عقًلا من طول سجنِه و يريد الانتقام بابتلاع هانى فى قاعه ،يضربُ الطوفان فيرى هانى نفسَه هو أباه واقفيّن خلف السور الحامى..ثُم يُظلم العقل..
يضرب مرةً أخرى فيرى أمّه تبكى وهى متعلقةٌ بجلبابِ أبيه القديم وتقول له "لا تفعل"..ثُم يُظلم العقل..ضربةٌ أخرى يرى هانى نفسَه فوق كتفِ أبيه ثم فوق رأسه ثم فوق السور الحامى..ثُم يُظلم العقل...تزاد سرعةُ الضربات؛فيزداد معها اضطرابُ هانى،يزدادُ بكاؤه ،تزداد سرعتُه المحمومة فى البحث عن ورقة ليكتب ،يعلو صدى الأفكار فى عقلِه ،تتوارد ضربات الطوفان على المخ ،تمتدُ جذور الذكريات فى تلافيف المُخ حتى ثبتت ؛فلا يبدو لها رحيلٌ بعد اليوم...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق