السبت، 11 يناير 2014

زواجُ الدم


أنت الأن فى رحم الأزمان يا حفيدى ,مجرد حُلمٍ فى خيال أبيك وأمك ,يتصارعان سويا 
من يمشط لك شعرك ,ومن يشترى لك لٌعبتك الأولى, لم تتكون هيئتُك بعد, ولم يُعرف هل .ستكون ذكراً أم أنثى ,بل _سامحنى_أنت لست موجوداً أصلاً,فأبوك وأمك لم يجتمعا
 ولن يجتمعا إلى الأبد

يا حفيدى الغالى ,لا تتعجب كيف عرفت عن أبيك وأمك _التى هى بالمناسبة ابنتى_فأمك أخبرتنى عن حبها لأبيك وحبه لها ,وسأسمح لك أن تقرأ جزءً من رسالتها لأبيك 
"_إليك يا قَدَرى:
لا أعرف اسمك ,ولا ملامحك ,ولا متى تأتى ,ولكنى أعرف أنك  ستكون منى وأنى سأكون منك, وستكون هذه الرسالة هى أول ما تقرأ إذا ما تم زواجنا ,فلا تتهمنى بما لا تعرف ,فلستُ جريئةً ولا عابثةً ولكنى روحٌ_مثلك تماما_تريد أن تأمن إلى أليفها كما تريد أنت أيضا أن تأمنَ إلىّ
سيقولون لك أن أمى ربتنى على الصمت ,على الهدوء ,وإن أردت الصدق فقل ربتنى على الخضوع والدعة ,
ولكنى لستُ كما يقولون ,فإذا كنت ترغب فى فتاةٍ كالتى يصفون فدونك غيرى كثيرات وكثيرات
أنا _يا قدرى_ثائرةٌ حد الجنون,عاقلةٌ حد الملل,عابسةٌ حد السماء الملبدة بالغيوم ,باسمةٌ حد إشراق شمس الربيع,قاسيةٌ حد  حمم البركان,رقيقةٌ حد قطرات المطر,أنا هو أنا ,كما أخبرك وسأخبرك عن نفسى فلا تلقِ بالاً لما يقولون...
واعلم أنى لن أكون غير نفسى  ,ربما سأكون أنت لأنى أعلم أنك ستكون مثلى ,

سأربى أولادى على"الثورة",على"الغضب
على"الطاعة عن إقتناع",على"الحب بلا خجل",على" اليقين",سأجعلهم سيوفاًعلى كل ظالم, وألسنةً لكل حق,ويداً  لكل  مصلح,,,,,,, سيكونون هم صفقتنا  "الرابحة"مع خالقى وخالقك ,,,,

أما عنك يا شقيق الروح فسأكون لك أماً وزوجاً  وصديقةً وأختاً وبنتاً فقط إذا كنت لى أباً وصديقاً وحبيباً ومعاوناً لى فى غرس ما أريد  فى أولادنا

حبيبى وزوجى ,ربما لن تصلك كلماتى  لأنى لا أعرف بعد اسمك ولا عنوانك ,أو لأن 
لقاءَنا لن يكون فى هذه الأرض فربما يختارنى الله إلى جواره ,فالموت صار أقرب إلينا , 
"""

أرجو من الله ألا أكون قد أزعجت قلبك الطاهر يا صغيرى بهذه الكلمات ,وأعذرنى فلا 
أستطيع أن أضع لك باقى الرسالة ,فمع كل حرفٍ فيها أرى صورة أمك وهى فى ثوبها الأبيض الجميل والجميع حولها يقدمونها لعريسها فى الجنةْ,أمك ماتت, قُتلت أمامى بثلاث رصاصات ,رأيت الرصاصات تلامس جسداً طاهراً لم يلمسه إنسٌ قبلهاولا جانٌ,رأيتها تتعذب بالرصاصة التى سكنت حشاها ,بدلاً من أراها تفرح بك فى رحمها يا حفيدى ....................

أمّا أبوك يا ولد ,لقد عاش مجهولاً ومات مجهولاً ودُفن مجهولاً ,عشقته أمك حين رأته وعشقها حين أحس بروحها الطاهرة تملأ المكان ,تحادثا كثيرا ,ورسما معاً خطة مستقبلهما ,حيث كان من المفترض أن توجد أنت ,وتبادلاً معاً رسائل كثيرة ,كان هى ترسلها مكتوبة وهو يردُ بأفعاله وبشهامته وبحرصه على سعادتها , ولكن ذاك المساء رأينا وجه أمك على شاشة التلفزيون وهى ترتقى إلى ربها بعد الرصاصات الثلاث,تجمدنا بل شُللنا بل فقدنا الوعى لا أدرى ولكنّا عجزنا عن الكلام لساعات ,أنا أعلم أن هذه ابنتى ,وهو يعلم أن هذه حبيبته ,ولكن كلانا يرفض التصديق..

نزل أبوك إلى الشارع فاقدا للوعى ,فاقدا للعقل,فاقدا للتعبير,حتى اقتربنا من جثة أمك ,فوجدته يقول"أشهد أنى كافرٌ بالوطن" ,أخذ يصرخ يهزنى فى عنف لم أتحمله لكبر سنى ويسألنى وهو يضحك والدموع تجرى على خديه:

أهذا وطن؟!,أهذه بلد؟!,أهؤلاء بشر؟! ,أن تصبح الحياة رخيصةً حدّ اختزالك فى رقم يُضاف لأرقام الموتى ,ورقمٍ يُكتب على جُثتك بجوار كلمة" مجهول" ,أن يصبح موتك سهلاً حدّ أن يتم فى لحظة,أن يُصبح جسدك رخيصاً حدّ أن يلقى على الأرض ينتظر العامل أن يفرغ من سيجارته لكى يتفضل عليك و يُهيل عليك بعض التراب,أن تتبخر الأحلام برصاصة ,وينتهى العمر بأمر سيادى ,؟!..
,ألمّ يكفهم اعتقالُ أحلامنا ,ألم يكفهم أنّا أصبحنا موتى فى أجساد الأحياء,يا أمى أنا "كافرٌ بهذا الوطن" ,أنا كافرُ بحُماةٍ قتلوا حبيبتى ,أنا كافرٌ بسلاحٍ قتل حلمنا,أنا كافرٌ برجالٍ قتلوا ابنى قبل أن يأتى, يا......."

صدقت يا صغيرى لم يُكمل أبوك كلامه لأن صوته أزعج ضمير ذاك القاتل,ولأن الله أبى إلا أن يجتمع أبوك وأمك فى جنته وتظل أنت فى رحم الأزمان ,أنقذتك رحمة السماء من 
مصيرٍ لا يعمله إلا من بيده الأمر.. ,

أتركك الأن يا صغيرى لترتاح أياً كان الزمن الذى تقيم فيه الأن,وسأكمل لك القصة فهى 
لا تنتهى ولن تنتهى إلى قيام الساعة