الخميس، 7 مايو 2015

السور _2_





_تمتد يدُ هانى إلى قلمٍ كان فى جيبِه ،ويبدأ فى الكتابة :-
"بسم الله الرحمن الرحيم ،هذه قصة (هانى) يشطب هانى الاسم بغيظٍ قطعَ الورقةَ، ثُم مزّقها و أخذ ورقةً جديدةً وكتب:-

 (سعيد أحمد السيد ) ،أجل أنا (سعيد أحمد السيد) ذاك الاسمُ الذى لم أنطقه منذ ثلاثةٍ وعشرينَ عامًا ،ولدتُ فى المنطقةِ المحظورةِ خلف  السور الحامى.

*السور الحامى:سورٌ بناهُ السادةُ أثرياء الدولة ليفضلَ بين عظمتِهم وبين حقارتنا نحن الفقراء المُقيمنَ على الجانب الأخر منه ،تكلّف بناؤه 5000 روح من جيرانى و أصدقائى الفقراء ،و3000  يّد تم بترها بسبب الالتهابات الناتجة عن سوءِ علاج الجروح الناتجة من وَقع سياط المُشرفينَ على أيّدى العمال التَعبِة ،و 10 سنواتٍ من الاستقياظ فى الخامسة صباحًا والنوم فى العاشرةِ مساءًا ،و بينهما نصف ساعة فقط من الراحة.

يشرف على ذاك السورِ الأن اللواء :كريم العثمانى ،كان قد حصلَ على هذا المنصب فى سبب تفانيِه فى الإشراف على بناء السور فى نظر السادة،وفى منظورنِا نحن بسبب عدم توانيه لحظةً فى تقديم أى قرابين منّا لجلالةِ السور والراغبينَ فيه،فكان له النصيبُ الأكبر من الضحايا السابق ذكرهم..

المُهم ،كل تلك التفاصيل سأذكرها مرةً أخرى كلٌ حسبَ ترتيبَه الزمنى،فالذكريات تتوارد على عقلى بشكلٍ بشع ،أشعر أنّى أرغب فى شق جُمجمتى وسَكب كل تلك المعلومات على الورق دفعةً واحدةً ،لا أعرف ماذا يجب أن يُقال أولًا أو ماذا يجب أن يُؤخر،كل مأعرّفه أنّى لا بدَ لى من البوحِ وحكاية تاريخ (سعيد أحمد السيد )الذى أصبح الأن (هانى) زوج أشكيناز ابنة اللواء كريم العثمانى....


_لماذا؟!
=هذا لمصلحته يا أم سعيد!!
_مصلحتُه فى البعد عن أمّه وأبيه؟!
=أبوه؛سيموتُ يومًا فى أعمال بناء السور،وأمُه ستضطر يومًا إلى قتلِه لكى لا تراه يذوق ما ذاقت هى وأبوه!!

يعلوَ الصمتُ لسانَها ،و تنطق الدموع صارخةً من عينِها ،فهى لم تملك المنطقَ لتحاور أبا سعيد ،بالإضافة أنّها تعلم أنّ قرارَه صائب ،ولكنّها أمٌ يريدونَ أن يسلبوا منها ابنها،فلم تجد إلا الدموعَ وسيلةً لتجادل بها أبا سعيد ،ولكنّ كثرة البؤس تُقسّى القلب ، والفقرُ يقتلُ الشفقةَ ،فلم يُلقِ لها بالًا والتفتَ إلى سعيد...

_ما رأيك؟!
=أنا لا أريد أنا أترككم يا أبى،سأعيش معكم!!
_وإذا مِتُ أنا وأمك؟!!
_سأعيش مثلما عِشتما!!
=كأنّى أسمع أمَك تتحدث ،لم تصبح رجلًا بعد؛لهذا ستنفذُ ما أقول!!

يُخرج من أسفلِ السرير المُتهالك قيمصًا وبنطالًا كان قد اشتراهما بعد  ثلاثة أشهر من الإدخار وألبسهما ل(سعيد) وقال الأن أصبحتَ شبيهً بهم ،الأن لن يُميّزكَ الحرسَ إذ رأّوكَ،فقط أخبرهم أنّك كنت تلعب وأنّك عائدٌ إلى بيتك،قلها بثقة و بأنفٍ مرفوعٍ و رأسُك فى السماء و هم سيصدّقونَك لا شك....

_ولكن يا أبى ،ماذا سأفعلُ هناك ،كيف سأعيش وهُم لا يسمحونَ للقطط الضالةِ بالحياة فى شوراعهم ،فما بالك بفتى ضآلٍ؟!
=حتى لو قتلوكَ يا سعيد ،فأنّ تُدفنَ فى شوارعِهم أفضل من أن تُدفنَ فى مقابرنا،ولكن لا تقلق ،لازلنا نؤمن بالله الذى ينكرونَه هم ، لازال أمامنا اليقينُ بأنّه يحمينا و يراقبنا!
_كيف يراقبنا الله ويحمينا وجيراننا يُقتلونَ ،وتُقطّع أيديهم وهو لم ينتصر لهم!!
=سينتصر يا سعيد ،لا بد أنّه سينتصر ،لا بد!!

تمتدُ يدُ أبى سعيد وتجذب يدَ ابنِه ،ويدُه الاخرى تفتحُ باب ليطئمنَ أن الجيرانَ قد ناموا،ويبدأنِ فى السيرِ ناحية السورِ ،وبعد خروجِهما بعدة دقائق لحقتهما (أم سعيد)...

الاثنين، 4 مايو 2015

هارى فى امتحان الهستو (4)..





_منذ متى وأنت معجبةٌ بى يا هيرمانى؟!
=أنا!!أُعجب بك!!مستحيل،نحن مجرد أصدقاء يا هارى!!
_أنا كنت أظن ذلك،حتى وجدتك تتحدثين مع جين بتلك الطريقة!!
*تضحك هيرمانى"=لا شئ،ظننت أنّها معجبة بك فأردت أن أشعلَ غيرتها فقط..

*يُحاول هارى أى يغير مجرى الحديث ،فيسألها:-لماذا ساعدتينى؟!
تعلو ضحكتها إلى الدرجة التى تلفت نظر البروفسيور سنايب ،فيُحِدّ النظر إليّها _فتنتبه هيرمانى أنّها فى غرفة دمبلدور وأّنهما لتوهما _هى وهارى_ قد ارتكبا جريمةً لم يشهد عالم السحرة مثيلًا لها من قبل_فتخفت ضحكة هيرمانى ولكنّها لم تسطتع منع نفسها من الابتسام و هى تُخبره بسر مساعدتها له:-

"حين دخلتُ من الباب لَمحتُ البرطمانات الزجاجية الموجودة هنا،اكتشفتُ أنّى وإنّ كنتُ أحفظ التعليق المفترض كتابتَه على كل برطمانٍ زجاجى ؛إلا إنّى  اعتمدت على شكل البرطمان و لم أهتم بالطريقة العلمية لمعرفة نوع المرض المُصاب به العضو داخل البرطمان ؛لهذا اكتشف إنّى سأخسرُ الكثيرَ من الدرجات ،ولهذا قررتُ مساعدتك،حتى تُتاح لى فرصةٌ أخرى لدخول الامتحان والاستعدادُ له كما يجب"....

*عَضّ هارى شفتَه حتى كادت تتقطع من الغيظ،فقد فازت هيرمانى مرةً أخرى ،وبالتأكيد دمبلدور لن يعاقبها وأنّ هارى المسكين هو الذى سيتحمل النصيب الأكبر إنّ لم يكن كلَ العقاب*..

أمام  البلورة السحرية لدمبلدور تجلس منيرفا ،بعد أنّ ذابت التعويذة من حولها واستطاعت الحركة ،واستطاعت أيضًا أن تكسر عصا هارى الموجودة بيدها وتَكيلُ له التهديدات بإرسالِه إلى "أزكابان"أو  باللعنِ أو بالطردِ من المدرسة عقابًا على ما فعل،ولكنّها فقط تنتظر العقابَ الذى سيحدده دمبلدور لترى هل سيكون كافيًا أم لا؟!...

هنا يقطع حالةَ القتال البارد صوتُ الباب الذى ينفتحُ يُعلن قدومَ دمبلدور ،تُسارع مينرفا بالوقوف وسبقها لسانُها فى الوقوفِ ليُخبر دمبلدور بما حدث ،لكنّه قاطعها بسرعة قائلًا:-"أعرف كلَ ما حدث ،ولستُ بحاجةٍ إلى مزيد من التفاصيل"..

*يبتسم هارى_وكذلك هيرمانى_ بخُبث ؛فتلك المُقدّمة أوحيت إليه أن دمبلدور سيكونُ فى صفِه كالعادة وأنّ العقابَ لن يكون قاسيًا كما توقع ،ولكنّ الأحلام تبخرت بالتفاتِة دمبلدور السريعة ناحية هارى وهو يصرخ :"عقابك لن يكونَ سهلًا،ولكنّه سيكون عقابًا طويلَ الأمد،وأنتِ أيضًا يا هيرمانى لك نصيبٌ ،فلا تظنى أنّك ستفلتينَ من العقاب"...

*غابت ضحكةُ هيرمانى ، وبغيابها عادت ضحكة هارى بشكل أكبر لتأكدّه أنّ هيرمانى ستشاركه فى العقاب هذه المرة..

يسير دمبلدور ناحية بلورته ويجلس أمامها ،ثُم يضعُ عصاه إلى جوارِه ويُخرج من أعماقِه تنهيدةً كأنّها زَفرةُ تخرجُ من تنينٍ نارىٍ تحوى نارًا أشعلَها الوجعُ الذى أتى به من أزكابان..ولا بُدَ أن الصمت المُطبّقَ كان مغريًا لدموع دمبلدور أن تتسلل من بينِ عينيّه ،ومع خروجها تفزعُ عيونُ  هارى وهيرمانى ومنيرفا وسنايب  ،العيونُ المُترقبة للعقابِ  من لحظاتٍ تناستْ ما جاءت لأجلِه  وهبتْ جميعًا لتسأل دمبلدور عما حدث فى أزكابان ليُثير تلك الدموع التى لم تُر منذ عقودٍ طويلة...

*يُحاول دمبلدور أن يستجمعَ حزمَ الرجلِ بداخلِه ويُضيفُ إليه حزمَ المسئولِ عن أعظمِ مدرسةٍ من مدارس السحر؛ليمنعَ باقى الدموع من التسلل ويُحرك لسانَه بصعوبةٍ ليَقول"لم يعد لى سلطةُ توجيه العقاب لأحد..لم أعد مسئولًا عن المدرسة،وستؤول مسئوليتُها إلى وزير السحر ،لحين وصول مديركم الجديد"....

السور ..(1)






انتهت حفلة عيد ميلاد ابنه الأول ،ثم جلسا_هو و زوجته_يفتحان الهدايا التى جائتهما من الجيران الساكنين فى ال(الفيّلات) المُجاورة ،وكانت الهدايا عبارة عن عدّة ساعات أصليّة بعضها له وبعضها لزوجته  تكلفتها ما بين 7000 أو 12000 ريتشى_العُملة الجديدة للدولة_  ،وكان أغلى ما وجدا دعوة لقضاء  الأسبوع القادم بُصحبة طفلهما فى جولة تشمل ثمانِ مُدن عالمية..
"الله يا حبيبى،سنجوبُ العالم أخيرًا"هكذا قالت زوجتُه (أشكيناز) ربّة المنزل المُخلصة و بنت اللواء كريم مدير أمنِ(السور الحامى)..

اكتفى هانى بالنظر إليّها ورسمَ  ابتسامةً على وجهه كان يتضحُ فيها مقدار الجهد الذى بذله لرسمها ثُم قبّل طفله وانصرف هاربًا إلى غرفتِه يُحاول أن يقتل الدموع فى عينيّه قبل تولد..

مسرعًا يدخل الغرفة وعلى أقرب كرسى يجده أمامه يترك لجسده حرية الانهيار عليّه ،يسقط بداخل الكرسى المُريح المُبطن بأليافٍ مُعدةً خصيصًا لتتناسب مع إنحاءات العمود الفقرى مما يُعطى إحساسًا أكثر بالراحة ،يَفردُ يديّه على جانبى الكرسى فتظهر لّه من العدم _أو من أسفل الكرسى المُزّود أيضًا بأجهزه استشعار للحركة و عقل اصطناعى يجعله يُاقلم نفسَه و يُظهر مميزاتِه المتعددة تبعًا لحركةِ الجالسِ عليّه_وسادتان من نفسِ خامة الكرسى ليضع عليّهما يديّه...

ولكنّه لأول مرة لا يشعر بالراحةِ على هذه الكراسى ينفر منها فالنارُ تأكلُ جسدَه ،يَحك جلدَه كالمصاب بالجرب،جيوشُ الذكرياتِ هاجمته بشكل مُباغت ،كانت الذكريات تتدفق فى عروقِه ذاهبةً إلى عقلِه لتحتل تلافيفَ المُخ إلى الأبد ،فأخيرًا وجدت ثغرةً فى خطوط دفاعِه الجبّارة بعد ثلاثةِ وعشرين عامًا من الحبسِ فى منطقةٍ مهجورةٍ من مُخه لا يُذكرُ أنّه زراها منذ ثلاثةٍ وعشرين عامًا كاملة..

الطوفانُ يفرضُ قوانينَه ، الذكرياتُ تدفعُه لافتراش الأرض والهروبِ حتى من السجاد المصنوعِ خصيصًا لابنةِ اللواء كريم صاحبِ أخطر مهمة فى الدولة ،القائم على أمن وسلامة (السور الحامى) ،هكذا كانت المكتوبة على أطراف السجادة بخطٍ ذهبى اللون والخامة ،ففرضت الذكريات قوانينها للمرة الثانية ،بغير إرادةٍ منه يسحب السجادة ،يُحاول فلا يستطيع ،يحاول فلا يستطيع...

تعلو حشرجة البكاء الخارج منه ،فيرتمى على الأرض و يُسند ظهره إلى جدار الغرفة ،يبكى حينًا ثُم ينظر إلى يده الناعمة التى عجزت عن رفع سجادة من موضعها ؛فيزاد بكاؤه ،يُقول فى نفسه"ثلاثةٌ وعشرون عامًا حوّلت يدك  الخشنة المليئة بالشقوق إلى تلك اليد الرخامية الناعمة ،ثلاثةٌ وعشرون عامًا بلا أى مجهود قادرةٌ على أن تسلب قوةَ من كان يرفع الصخور ذات الأوزان الضخمة بسهولة لا يقدر عليّها أحدٌ سواه..ثلاثةٌ وعشرون عامًا..."..

ينتفضُ واقفًا ،فى عينه تبدو نظرة التحدى التى برقت فى عينيّه منذ ثلاثةٌ وعشرون عامًا ثم لم تظهر بعدها إلا اليوم،يندفع إلى المكتب المُطرز بعددٍ من الاحجار النفيسة ليبحث عن ورقة و قلم ليكتب ما يريد،فلا يجد ،يفتح الأدراج فيجدها جميعًا خاويةً لا ورقة ولا قلمًا فى مكتبه،يلمح ورقةً تحت المكتب فينحنى ليأخذها فيجدها فاتورة مُشتريات زوجتِه  استعدادًا لحفلةِ اليوم التى بلغت نصف مليون ريتشى ..

فيبتسمُ بمرارة "اليوم سأُلقى فى سلّات الزبالة نصف مليون ريتشى" قالها وطوفان الذكريات يضرب من جديد بشكل متقطعٍ هذه المرة ،كأن هذا الطوفان قد اكتسبَ عقًلا من طول سجنِه و يريد الانتقام بابتلاع  هانى فى قاعه ،يضربُ الطوفان فيرى هانى نفسَه هو أباه واقفيّن خلف السور الحامى..ثُم يُظلم العقل..

يضرب مرةً أخرى فيرى أمّه تبكى وهى متعلقةٌ بجلبابِ أبيه القديم وتقول له "لا تفعل"..ثُم يُظلم العقل..ضربةٌ أخرى يرى هانى نفسَه فوق كتفِ أبيه ثم فوق رأسه ثم فوق السور الحامى..ثُم يُظلم العقل...تزاد سرعةُ الضربات؛فيزداد معها اضطرابُ هانى،يزدادُ بكاؤه ،تزداد سرعتُه المحمومة فى البحث عن ورقة ليكتب ،يعلو صدى الأفكار فى عقلِه ،تتوارد ضربات الطوفان على المخ ،تمتدُ جذور الذكريات فى تلافيف المُخ حتى ثبتت ؛فلا يبدو لها رحيلٌ بعد اليوم...