"لستَ كُفئًا فى أى شئ،أنت مُجرد طبلةٌ جوفاء،تملأ الدنيا حديثًا عن إمكانياتك وعن براعتك ،ثم فى النهاية أنت لاشئ ،هيّا ابحث عن مُغفلٍ أخر لتخدعه بكلماتك،اذهب..."
بعد أن أنهتْ هذه الكلمات عملَها فى ثقب أذنه وفى زلزلة كيانِه ،هبطَ إلى أرضِ المكتب يجمع أوراقَه التى ألقاها المُدير فى وجهه،و لكنّ دموعَه قد سبقته لتسقطَ على إحدى أوراقة ،وكأنّ السماءَ قد أرادت أن تُرسلَ له رسالةً ،فأرسلت مَلكًا ليقودَ الدمعةَ لتسقط على كلمتِه المُفضلة فى روايتِه التى جاء يعرضها على مدير دار النشر "أبحث عن دليل"...
ربما ليست هذه هى المرة الأولى التى يتعرض فيها للرفضِ ،ولكنّها المرةُ الأولى التى يتعرضُ فيها لهذه الإهانة،لثوانٍ لم يكن مُستوعبًا ما تعرضَ له للتو من الإهانة ،ولا كيف يجرؤ شخصٌ أيًا كان منصبه أن ينال من كبريائِه و من آنفتِه التى لو وُزعتْ على شخصيات روايتِه جميعًا لكفتهم،ولكنّها فرصته التى انتظرها طويلًا،فرصتُه ليُفجر البركانَ الكامنَ فى صدرِه منذ عشر سنواتِ، آن الأوان لينتقم لكل الإهانات التى تعرض لها،آن الأوان ليثأرَ لكل مرةِ رُفضت فيها أعمالُه،ولتعاسةِ حظِ هذه المُدير سيكون هو "إبليس" الذى يُرجمً بحجارة كل الأدباء الذين قتلتهم الظروف ،هنا فى هذه اللحظة شعرَ أنّه "نابليون" الأدب الذى بعثَه جيلٌ كامل من الشباب ليقضى على كهنوتِ المُحتكرينَ للأدبِ وللنشرِ وللذوقِ....
بعد هذه الكلماتِ ربما توقعتَ يا عزيزى القارئ المسكين أنّه سيفجرُ رأس هذا المدير،أو أنّه سيخلع سترتَه لتنكشفَ عن حزامٍ ناسف ، أو أنّه سيعلنُ قيام ثورة الأدباء على "إقطاعىّ" الأدب والنشرِ،ولكنّه مسكينٌ مثلُك تمامًا،علّمته الحياةُ أنّ خيرَ طريقة لانكارِ المُنكر هى "الكلام"،مجرد كلماتٍ سيُختزلُ فيها غضبَه لتتفجرَ فى الهواءِ ،وهو حريصٌ مثلُك أيضَا ألا يسمعَه أحدٌ وهو يتحدث أو أن تصيبَ الطلقاتُ الخارجةً من فمِه أحدَ "الإقطاعين"،لذا وبمنتهى الشجاعة قال:-
"أنا لم آتِ هنا ولم أذهب لغيرك بحثًا عن فرصةٍ للشهرةِ السهلة ،أنا جئتكم بحثًا عن "دليل"،أنا أريدُ مرشدًا يأخذ بيدى ،يقودنى فى سبيلى ،أنا أريدُ خِضرًا ك"خِضر" موسى ،وسأتبّعه وسأستطيعُ معه صبرًا،حتى يعلمنِ مما علّمتَه له الأيام والسابقون.
ثُم أكملَ بعد أن ابتلعَ ما تَجمع فى فمِه من ماءٍ حتى بدأ فى التناثرِ فى وجهِ المُدير
أنت لم تُولد فى منصبك هذا ،ولا غيرُك هبطوا من السماء على قمةِ الأدب،ربما تعبوا فوجدوا من يُرشدهم وربما خدمهم الحظ،أمَا وقد أدارَ لنا الحظُ ظهرَه فالأمل الباقى لنا هو أن نجدَ من يُضئُ لنا فى هذه الدروبِ سراجًا..
سقطتُ دمعةٌ ثمنيةٌ أخرى من عينِه اليُمنى _المُصابِة بقروحٍ شديدةٍ نتيجة عملِه فى نقلِ الفحمِ ليُعايشَ حياة بطلِه فى الرواية_،ثم أكمل :-
أحيانًا أسأل نفسى ما يُجبرنى على هذا المرار،ما يًحملنى أن أُكرِهَ نفسى على التذلل لك وعلى عَرض نفسى علىك وعلى غيرك من قساوسة الأدب،فلا أجدُ إجابةً إلا ذاكَ الصوتُ الذى أُجزمُ أنّه يأتينى من السماءِ ليُخبرنى أنّى أحملُ رسالةً ما، وأنّ الكلماتِ قد أُجريّت على عقلى وقلبى لحكمةٍ يعلمُها الله وحده،وأنّى لا مفرًا من قدرى ولا هروبًا من مصيرى،لدرجة أنّى أيها الديكتاتور الأدبى لا أستطيعَ منع نفسى من تدوين ونشرِ أفكارٍ لا أعرف كيف جائتنى ولا كيف نظمتُها،
أيّها الكافرُونَ برُسلِ الأدبِ و المُتاجرونَ بالوحى ،أنا لا أهتمُ بكم ولا برفضكم ولا بإهانة كلِ أهلِ الأرضِ لى ،سأظل أجوبُ الأرضَ ناشرًا كلماتىِ ،داعيًا لدينى التى أُرسلتُ من أجله،لا أحملُ همَ صناعةِ الورقِ وتوفير الحبر ،فلقد تكفلّ الله بهم لى،ولا أُحمل نفسى عناءَ نشر أفكارى فلقد أخبرنى الصوتُ ذات مرة "عليكَ البيانُ ،وعليّنا البلاغ"...".
هنا آن الأوانُ لتخرج القنبلةُ الكُبرى ،فلا بد مع هذا الغضب أن يُكسرَ شئٌ ما ،أو يُسال دمُ شخصٍ ما ،ولكنّه مسكينٌ لا يحملُ فى جيبِه ثمنَ ما سيكسره ،ولا يحمل فى محفظتِه بطاقة أحد الكُبراء لتُخرج من الحَبس إن سالَ دمُ المُدير،فالتفت حولّه فلم يجد سوى المسكين المُعتاد على أن يتحملّ غضب أهل الارضِ جميعًا ،غنيّهم وفقيرهم،ذكرَهم وأنثاهم،صغيرهم وكبيرهم ،فأغلّقه_أىّ الباب_ بقوةٍ خلفَه ثم خرج..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق